الغزالي
168
إحياء علوم الدين
عن ذلك وقيل له . تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي إذا وقفت قبر ! فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إنّ القبر أوّل منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ » وقيل إن عمرو بن العاص نظر إلى المقبرة ، فنزل وصلى ركعتين ، فقيل له هذا شيء لم تكن تصنعه ! فقال ذكرت أهل القبور وما حيل بينهم وبينه ، فأحببت أن أتقرب إلى الله بهما . وقال مجاهد : أول ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول . أنا بيت الدود وبيت الوحدة ، وبيت الغربة ، وبيت الظلمة . هذا ما أعددت لك ، فما أعددت لي ؟ وقال أبو ذر : ألا أخبركم بيوم فقرى ؟ يوم أوضع في قبري . وكان أبو الدرداء يقعد إلى القبور ، فقيل له في ذلك . فقال أجلس إلى قوم يذكَّرونى معادى ، وإذا قمت لم يغتابونى وكان جعفر بن محمد يأتي القبور ليلا ويقول . يا أهل القبور ما لي إذا دعوتكم لا تجيبوني ثم يقول : حيل والله بينهم وبين جوابي ، وكأني بي أكون مثلهم . ثم يستقبل الصلاة إلى طلوع الفجر ، وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه ! يا فلان ، لقد أرقت الليلة أتفكر في القبر وساكنه ، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ، ويجرى فيه الصديد ، وتحترقه الديدان مع تغير الريح ، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة ، وطيب الريح ، ونقاء الثوب . قال ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه . وكان يزيد الرقاشي يقول : أيها المقبور في حفرته ، والمتخلي في القبر بوحدته ، المستأنس في بطن الأرض بأعماله ، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت ، وبأي إخوانك اغتبطت . ثم يبكى حتى يبل عمامته ، ثم يقول : استبشر والله بأعماله الصالحة ، واغتبط والله بإخوانه المتعاونين على طاعة الله تعالى . وكان إذا نظر إلى القبور خار كما يخور الثور وقال حاتم الأصم : من مرّ بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ، ولم يدع لهم ، فقد خان نفسه وخانهم وكان بكر العابد يقول : يا أماه ، ليتك كنت بي عقيما ، إن لابنك في القبر حبسا طويلا ، ومن بعد ذلك منه رحيلا . وقال يحيى يا بن معاذ : ابن آدم ، دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه . إن أجبته من دنياك ، واشتغلت بالرحلة إليه